فخر الدين الرازي
133
تفسير الرازي
فإن حالتهم في نصرة الرسول مشهورة ، وقال آخرون بل بدل الله كفر بعضهم بالإيمان ، وقال بعضهم : لم يقع هذا التبديل ، فإنهم أو أكثرهم بقوا على جملة كفرهم إلى أن ماتوا ، وإنما كان يصح وقوع التبديل بهم لو أهلكوا ، لأن مراده تعالى بقوله : * ( إنا لقادرون على أن نبدل خيراً منهم ) * بطريق الإهلاك ، فإذا لم يحصل ذلك فكيف يحكم بأن ذلك قد وقع ، وإنما هدد تعالى القوم بذلك لكي يؤمنوا . قوله تعالى * ( يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الاَْجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ ) * . ثم ذكر تعالى ذلك اليوم الذي تقدم ذكره فقال : * ( يوم يخرجون من الأجداث سراعاً ) * وهو كقوله : * ( فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ) * . قوله تعالى : * ( كأنهم إلى نصب يوفضون * خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ) * . اعلم أن في * ( نصب ) * ثلاث قراءات أحدها : وهي قراءة الجمهور * ( نصب ) * بفتح النون والنصب كل شيء نصب والمعنى كأنهم إلى علم لهم يستبقون والقراءة الثانية : * ( نصب ) * بضم النون وسكون الصاد وفيه وجهان أحدهما : النصب والنصب لغتان مثل الضعف والضعف وثانيهما : أن يكون جمع نصب كشقف جمع شقف والقراءة الثالثة : * ( نصب ) * بضم النون والصاد ، وفيه وجهان أحدهما : أن يكون النصب والنصب كلاهما يكونان جمع نصب كأسد وأسد جمع أسد وثانيهما : أن يكون المراد من النصب الأنصاب وهي الأشياء التي تنصب فتعبد من دون الله كقوله : * ( وما ذبح على النصب ) * وقوله : * ( يوفضون ) * يسرعون ، ومعنى الآية على هذا الوجه أنهم يوم يخرجون من الأجداث يسرعون إلى الداعي مستبقين كما كانوا يستبقون إلى أنصارهم ، وبقية السورة معلومة ، والله سبحانه وتعالى أعلم والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .